أبي منصور الماتريدي

437

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بخلاف من لا طاقة له به ، وانتصب لمعاداته ، فذلك منه حمق وجنون في الشاهد ؛ فنسبوه إلى الجنون لهذا . ومنهم من ذكر أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لما ذكرنا ، ولكن شدة سفههم هو الذي حملهم على هذا ؛ فنسبوه إلى الجنون مرة ، وإلى أنه ساحر أخرى ، ومرة قالوا : علمه بشر ، ومرة قالوا : إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ ص : 7 ] ؛ فكانوا ينسبونه إلى كل ما ذكرنا ، لا عن بحث منهم في حاله ، ولكن على السفه والعناد ؛ ألا ترى أنهم نسبوه إلى الجنون مرة ، وإلى السحر ثانيا ، وهما أمران متناقضان ؛ لأن الساحر هو الذي بلغ في العلم غايته ، والجنون هو النهاية في الجهل ، ولو كانوا يقولونه عن بحث وتدبر لكانوا لا يأتون بالمختلف من القول ؛ فيظهر جهلهم لمن يريدون صده عن اتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، بل كانوا يتفقون على كلمة واحدة ، فيصدرون عنها حتى يقع التلبيس منهم موقعه ؛ فيصلون إلى مرادهم من صد الناس عن اتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وكذلك فيما زعموا أنه علمه بشر ، وأنه إفك افتراه ؛ أتوا بالمختلف من القول ؛ لأن اختلافه وافتراءه يثبت أنه عالم بنفسه ، مستغن عن تعليم غيره ، وحاجته إلى أن يتعلم من غيره تثبت عجزه وجهله عن الاختلاق بنفسه ، فهذا كله يدل على أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لأعلام ظهرت لهم منه ، ولكنهم قذفوه بكل ما حضرهم ؛ سفها منهم وعنادا . ثم إن كانوا نسبوه إلى الجنون لما غشي عليه عندما رأى جبريل - عليه السلام - على صورته فقد أتاهم بما لو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس بصاحبهم جنة ؛ كما قال [ الله ] « 1 » - تعالى - : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [ سبأ : 46 ] ، وذلك أنه أتاهم بحكم عجز « 2 » حكماء الإنس والجن [ عن ] إتيان « 3 » مثله ، وأتاهم بكتاب عجز أهل الكتاب عن إتيان مثله ، فلو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس من فعل المجانين ، ولا من علومهم ، ولكنه من عند الله أكرم به . وإن كانوا بما نسبوه إلى الجنون لما خاطر بروحه ، فهم - بحمد الله تعالى - لم يتهيأ لهم أن يمكروا به ، ولا أن يقتلوه ؛ بل أظفره الله عليهم ، وأظهره على الدين كله ؛ فصار ذلك الوجه الذي به نسبوه إلى الجنون آية رسالته ، وعلم نبوته . وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ قال الحسن : إنه صلّى اللّه عليه وسلم رأى ربه بقلبه ؛ أي : عظمته وسلطانه من وجه لا يقع به تشابه ، وخص بالأفق ؛ لأنه من الأفق تنزل البركات

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : بحكمة أعجز . ( 3 ) في ب : بإتيان .